عبد القادر الجيلاني
80
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
والداية ، لإرضاع بعد الحولين ، ولا خلق بعد زوال الهوى والإرادة . الشيخ يحتاج إليه ما دام ثم هوى وإرادة لكسرهما ، وأما بعد زوالهما فلا ، لأنّه لا كدورة ولا نقصان . فإذا وصلت إلى الحق عزّ وجلّ على ما بينا فكن آمنا أبدا من سواه عزّ وجلّ فلا ترى لغيره وجودا البتة ، لا في الضر ولا في النفع ، ولا في العطاء ولا في المنع ، ولا في الخوف ولا في الرجاء ، هو عزّ وجلّ أهل التقوى وأهل المغفرة ، فكن أبدا ناظرا إلى فعله مترقبا لأمره ، مشتغلا بطاعته ، مباينا عن جميع خلقه دنيا وأخرى . لا تعلق قلبك بشيء منهم واجعل الخليفة أجمع كرجل كتفه سلطان عظيم ملكه شديد أمره ، مهولة صولته وسطوته ، ثم جعل الغل في رقبته مع رجليه ، ثم صلبه على شجرة الأذرة على شاطىء نهر عظيم موجه ، فسيح عرضه ، عميق غوره ، شديد جريه ، ثم جلس السلطان على كرسيه ، عظيم قدره ، عال سماؤه ، بعيد مرامه ووصوله ، وترك إلى جنبه أحمالا من السهام والرماح والنبل وأنواع السلاح والقسي ومما لا يبلغ قدرها غيره ، فجعل يرمي إلى المصلوب بما شاء من ذلك السلاح ، فهل يحسن لمن يرى ذلك أن يترك النظر إلى السلطان والخوف منه والرجاء له وينظر إلى المصلوب ويخاف منه ويرجوه ، أليس من فعل ذلك يسمى في قضية العقل عديم العقل والحس مجنونا . بهيمة إنسان ؟ نعوذ باللّه من العمى بعد البصيرة ، ومن القطيعة بعد الوصول ، ومن الصدود بعد الدنو والقرب ، ومن الضلالة بعد الهداية ، ومن الكفر بعد الإيمان . فالدنيا كالنهر العظيم الجاري الذي ذكرناه كل يوم في زيادة ماء وهي شهوات بني آدم ولذاتهم فيها ، والدواهي التي تصيبهم منها . وأما السهام وأنواع السلاح فالبلايا التي يجري بها القدر إليهم ، فالغالب على بني آدم في الدنيا البلايا والنفع والآلام والمحن ، وما يجدون من النعم واللذات فيها فمشوبة بالآفات إذا اعتبرها كل عاقل لا حياة له ولا عيش ولا راحة إلا في الآخرة إن كان مؤمنا ، لأن ذلك خصوصا في حق المؤمن . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا عيش إلا عيش الآخرة » ، وقال عليه الصلاة والسلام : « لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه » ذلك في حق المؤمنين ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » ، وقال عليه الصلاة والسلام : « التّقى ملجم » فمع هذه الأخبار والعيان كيف يدّعى طيب العيش في الدنيا . فالراحة كل الراحة في الانقطاع إلى اللّه عزّ وجلّ وموافقته ، والاستطراح بين يديه ؛ فيكون العبد بذلك خارجا عن الدنيا ، فحينئذ يكون الدلال رأفة ورحمة ولطفا وصدقة وفضلا ، واللّه أعلم .